نوبل الكيمياء 2026: لماذا تختار الحياة “يداً” واحدة من الجزيئات؟ قصة كاغان وسواي
أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، في السابع من أكتوبر 2026، منح جائزة نوبل في الكيمياء للكيميائي الفرنسي هنري ب. كاغان (جامعة باريس-سود، أورسيه) والكيميائي الياباني كينسو سواي (جامعة طوكيو للعلوم)، لاكتشافهما التأثيرات اللاخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي اللامتماثل.
قد يبدو العنوان تقنياً، لكنه يمس سؤالاً من أقدم ألغاز العلم: لماذا تستخدم الحياة على الأرض صورة واحدة فقط من الجزيئات “المرآتية”؟ وقال رئيس لجنة نوبل للكيمياء، هاينر لينكه، إن الفائزين قدّما حلاً للغز كيميائي عمره أكثر من قرن: كيف يمكن أن تنشأ “أحادية اليد” تلقائياً.
الجزيئات اليمينية واليسارية
كثير من الجزيئات توجد بصورتين متطابقتين في التركيب لكنهما صورة مرآة إحداهما للأخرى، كاليد اليمنى واليسرى. تُسمّى هاتان الصورتان المتماكبين الضوئيين (Enantiomers)، وتُسمى هذه الخاصية الكيرالية (Chirality).
الفرق بين الصورتين ليس شكلياً؛ ففي جسم الإنسان قد تكون إحداهما دواءً فعالاً والأخرى غير فعالة أو حتى ضارة. لذلك تُعد القدرة على تصنيع صورة واحدة نقية من الدواء من أهم تحديات الكيمياء الصيدلانية، وقد نالت أبحاث التحفيز اللامتماثل جوائز نوبل سابقة عامي 2001 و2021.
اكتشاف كاغان: ناتج أنقى من محفّزه
كان الافتراض السائد أن العلاقة خطية: إذا كان المحفّز الكيرالي نقياً بنسبة 50%، فإن نقاء الناتج سيكون متناسباً مع ذلك. في عام 1986 أظهر كاغان أن هذا ليس صحيحاً دائماً؛ ففي بعض التفاعلات يكون نقاء الناتج الضوئي أعلى مما يتوقعه التناسب (تأثير لاخطي موجب)، وفي تفاعلات أخرى أقل منه (تأثير لاخطي سالب).
التفسير الذي طوّره كاغان أن جزيئات المحفّز قد تتجمع في أزواج: زوج من الصورة نفسها، أو زوج مختلط من الصورتين. إذا كانت الأزواج المختلطة أكثر استقراراً وأقل نشاطاً، فإنها “تحتجز” الصورة الأقل وفرة وتُخرجها من المنافسة، فيرتفع نقاء الناتج. وقد أظهر فريق ريوجي نويوري لاحقاً مثالاً لافتاً: محفّز بنقاء ضوئي 15% فقط أعطى ناتجاً بنقاء 98%.
لم يقتصر أثر هذا الاكتشاف على تحسين النقاء، بل أصبح أيضاً أداة تشخيصية يستخدمها الكيميائيون لفهم آلية التفاعل وطبيعة الأنواع المحفّزة الفعلية.
تفاعل سواي: ناتج يصنع نفسه
ذهب سواي خطوة أبعد في تسعينيات القرن الماضي، فاكتشف تفاعلاً يعمل فيه الناتج نفسه محفّزاً لإنتاج مزيد من نفسه، وهو ما يُعرف بـالتحفيز الذاتي (Autocatalysis). في هذا التفاعل، الذي أصبح يحمل اسمه، يُضاف مركّب ثنائي ألكيل الزنك إلى ألدهيد، فيحفّز الناتج ذو “اليد” المعينة تكوين مزيد من الجزيئات بالـ”يد” نفسها.
النتيجة مذهلة: اختلال ضئيل جداً في البداية بين الصورتين يتضخم خطوة بعد خطوة حتى تسيطر صورة واحدة تقريباً على الناتج. وهذا تحقيق تجريبي لنموذج نظري طرحه الفيزيائي البريطاني فريدريك فرانك عام 1953 لتفسير كيف يمكن أن تنشأ أحادية اليد في الطبيعة.
صلة بأصل الحياة… بحذر
تتكون البروتينات في الكائنات الحية من أحماض أمينية “يسارية” تقريباً حصراً، والسكريات في الحمض النووي “يمينية”. يقدّم تفاعل سواي آلية كيميائية معقولة لكيفية نشوء هذا الانحياز من اختلال عشوائي صغير. لكن الباحثين ينبّهون إلى أن التفاعل نفسه لا يجري في الماء، فهو لا يحاكي ظروف الأرض البدائية مباشرة؛ إنه دليل على الإمكانية المبدئية لا تفسير نهائي لأصل الحياة.
الأثر الصناعي والدوائي
أشارت الأكاديمية إلى أن هذه الاكتشافات كانت حاسمة للكيميائيين الذين يصممون تفاعلات تصنيع الأدوية. فحيث يوجد تأثير لاخطي موجب، يمكن أحياناً الاستغناء عن محفّزات فائقة النقاء ومكلفة. وحيث يوجد تأثير سالب، يصبح معروفاً أن شائبة صغيرة في المحفّز قد تُفسد نقاء المنتج بصورة غير متناسبة، وهو أمر بالغ الأهمية لضبط الجودة.
رسالة للباحثين
مرّت نحو أربعة عقود بين ورقة كاغان الحاسمة والجائزة. والدرس هنا أن الملاحظة التي “لا تتوافق مع المتوقع” في المختبر قد تكون بداية اكتشاف، لا خطأً يجب تجاهله. وللباحثين في الكيمياء والصيدلة، يفتح هذا المجال أسئلة ما تزال نشطة: التحفيز العضوي، والنمذجة الحاسوبية لآليات التفاعل، وتطبيقات الكيمياء الخضراء.
قيمة الجائزة 12 مليون كرونة سويدية تُقسم بين الفائزَين، وتُسلَّم في ستوكهولم يوم 10 ديسمبر 2026.
